الخميس 29-محرم-1439 هـ - 19 اكتوبر 2017

مقالات عصام حشيش

يوميات الهجرة الي الجنوب
السبت 09 سبتمبر - 01:51مساء
عدد التعليقات : 0
حجم النص: |

يوميات بقلم عصام حشيش :


عندما سألوا الرئيس مبارك عن أسباب تراجع حجم التجارة مع الدول الافريقية قال باستهانة ان حجم تجارة مصر مع دولة واحدة مثل بلجيكا في أوروبا تعادل حجم التجارة المصرية مع دول القارة الافريقية مجتمعة.!
وهكذا انحصرت الرؤية السياسية لقارة افريقيا وقتها في مجرد عمليات تصدير واستيراد ونسينا مدي ما تقدمه القارة من عمق لمصر يساندها سياسيا في كل المحافل الدولية.. كان ذلك في بداية الألفية الثالثة وبعد سنوات طويلة من عملية الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الرئيس في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا.. والتي أحجمت مصر بعدها في تطوير علاقتها بافريقيا.. وعليه بدأت دول أخري تحل محل مصر في قلب وعقل الأفارقة الذين بدأوا يعرفون لغة المصالح علي يد الصينيين والأتراك والهنود.. ورغم الجفوة التي دفعت مصر ثمنها بعد ذلك في أزمة سد النهضة إلا أن العجلة دارت من جديد وبدأت مصر تنتبه لما فقدته من أراض في افريقيا وتسعي لاستعادتها بمد يد العون والمساندة لجميع الدول التي تحتاج إلي الخبرة المصرية.. وعندما زرت دولة غانا في الغرب الافريقي قبل عدة أشهر هالني حجم التواجد المصري هناك والممثل في مشروعات طموحة كان منها إقامة المصريين لأكبر مصفاة لصقل الذهب في القارة- بعد مصفاة منجم السكري- واقامة مشروعات صناعية ينظر إليها الغانيون كصناعات وطنية يعتمدون عليها في مشروعاتهم، ليس هذا فقط وإنما امتد الأمر لمشروعات خدمية حتي رأيت عباءة المرأة المصرية تنافس الزي الوطني للمرأة الغانية المسلمة في قبائل الاشانتي في الشمال.. والغانيون مازالوا يتذكرون عبدالناصر ودوره الفعال في مساندة حركات التحرر وعلاقته القوية بالزعيم نكروما الذي أراد أن يكمل علاقته ويزيد عمقها بزواجه من سيدة مصرية مازال الغانيون يرونها رغم وفاتها بأنها سيدة غانا الأولي والأمر يتعدي غانا إلي الصومال وكوت ديفوار ونيجيريا وتشاد.
ودول عديدة تعترف لمصر بالفضل وتنتظر الفرصة لكي تتحرك الدبلوماسية المصرية إليها لترميم آثار الجفوة التي خلفتها سنوات عجاف من آخر فترة حكم الرئيس مبارك. افريقيا تنتظر والهجرة إلي الشمال التي تكبد الشباب المصري الطموح حياته في البحر يمكن أن تنتهي لنستبدلها بهجرة أخري إلي الجنوب المتطلع للروح المصرية الوثابة.. والفرصة متاحة وممكنة بشرط أن تتحرك الدبلوماسية المصرية لتوفر الغطاء القانوني الدولي الذي يدعم هذه الهجرة لتستفيد افريقيا من فائض الكفاءات المصرية وتستفيد مصر من وجود قوي في كل دول القارة يدعم تحركاتها علي كل الاصعدة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.. فمتي تعلن بدء موسم الهجرة للجنوب.
مس من الجنون
الأحد:

لا أعرف حجم كمية الأدرينالين التي تندفع في عروق لاعب كرة القدم عندما يحرز هدفا في مرمي الخصم.. ولكنها لاشك كبيرة جدا تكفي لأن تجعله يطير عاليا في الهواء أو يلقي بنفسه زاحفا علي الأرض أو يقفز فوق العوارض والحواجز خلف المرمي والسعادة تتفجر في وجهه.. ولكن ما يدهشني هو لماذا عندما يحرز اللاعب هدفه ويجري في الملعب كالممسوس يرفض محاولات زملائه لتهنئته ويرد أيديهم الممتدة لإيقافه ويواصل الجري وهم جميعا يهرولون وراءه في مشهد غريب لا أجد مثله في الملاعب الأوروبية.. ففي معظم المباريات هناك تري الهداف يسرع إلي زميله الذي صنع له الهدف ليتبادل معه التهنئة ويلحق بهما باقي اللاعبين بمشاعر متزنة ودودة تعبر عن الرضا والسعادة بإحراز الهدف. وتزداد دهشتي بل وغضبي عندما يتملق اللاعب مدربه، فلا يهدأ أو يتوقف إلا بين يديه. وربما يقف أمامه انتباه ويضرب تعظيم سلام وكأنه يهدي إليه الهدف سعيا للرضا والقبول ثم يترك نفسه بعد ذلك لزملائه!
ولكل لاعب هداف طريقة في التعبير عن سعادته بإحراز الهدف. وقد كنت أحب محمد أبوتريكة وهو يجري فاردا ذراعيه مثل طائر يحوم بأجنحته عندما يحرز هدفه.. ويعجبني أيضا محمد صلاح عندما يرفع أصبعيه إلي السماء بعد الهدف وكأنه يقرر ويقول »أنت يارب الذي وفقتني لإحرازه»‬.. قبل أن يسجد لله شكراً.. كما يعجبني مؤمن زكريا عندما يضع يديه علي أذنيه وكأنه يؤذن بينما يجري بخطوة عسكرية مرتفعة.. ولم أكن أميل إلي طريقة عماد متعب وهو ينهال علي دبلة يضعها في إصبعه تقبيلا كأنه يبعث رسالة إلي صاحبة عرش قلبه أو أحمد فتحي وهو يستجمع قبضة يده ويدق بها صوب الأرض وكأنه يطعن عدوه بخنجر.. وهكذا تري لكل لاعب طريقة في التعبير عن فرحته ولكن أسوأها كانت تلك التي يجري فيها الهداف رافضا مصافحة زملائه أو تبادل التهنئة معهم رغم أن الذي مرر إليه الكرة وصنع له الهدف أولي بأن يهرع إليه ليشكره علي هديته.. ولله في خلقه شئون..!
الزوجة الصالحة
الإثنين:

جلست عند قدميه باستكانة وحب ليصنعا معا مشهدا بليغا في الوفاء.. جذبني وشد اهتمامي وأنا أبحث عن مكان أجلس فيه.. الرجل ضرير قارب الستين من عمره وهذه الجالسة عند قدميه وتصغره بعشرين عاما علي الأقل فهمت دون كلام أنها زوجته.. لم أجد مقعدا إلا الذي بجواره.. فألقيت السلام وجلست.. كنا في مطار المدينة المنورة في طريق العودة للقاهرة بعد انتهاء العمرة. ومددت إليه أطراف الحديث وأنا أقدم إليه قطعة من الحلوي أخذها وقسمها ثم أعطي لزوجته جزءا وشكرني وهو يتناول الثاني.. لم أكن بحاجة لأسئلة كثيرة لكي أعرف من هما. هو ماتت زوجته الأولي وأم أولاده وهو في الخدمة قبل إحالته للمعاش وبعدها فقد بصره بالتدريج وأصر أولاده الذين تزوجوا جميعا ألا يعيش أبوهم وحيدا فتزوج من أرملة لديها ثلاثة أبناء اعتبرهم مثل أبنائه بل قل أحفاده وتكفل بهم وبها بمعاشه البسيط وايراده من قطعة أرض يملكها.. وشعرت زوجته أن هذا الرجل لها بمثابة الزوج والأب والأخ والسند وشعر أولادها معه بشعور الطمأنينة والسلام ووجدوا عنده الأمان الذي كانوا ينشدونه أمام غدر الأيام.. أما هو فقد استعاد معهم إحساس الأسرة وعاد إليه حضوره الذي افتقده منذ زواج أولاده ورحيل زوجته.. ومر عام ثم عام وقرر أن يصطحب زوجته الوفية لزيارة بيت الله ومسجد رسوله ربما ليكافئها علي عطائها وإخلاصها.. فقد كانت عينيه ويديه بل وإذا أردت قدميه أيضا.. وأمضيا خمسة عشر يوما في أطهر بقاع الأرض. وجاء وقت الرحيل من مطار المدينة ورغم المقعد الشاغر بجواره إلا أنها اختارت أن تجلس علي الأرض عند قدميه في مشهد لا تخطئه العين. قال لي: الحمد لله علي نعم الله.. الله صاحب كل الفضل ومهما قدمنا فلن نوفيه حقه من الحمد والشكر.. قلت له مناوشا: وما أفضل نعمة تشعر بها الآن بعد أدائك الفريضة.. فضحك وتحسس الهواء حتي أمسك بيد زوجته وقال: دي.. الحمد لله أن أعطاني من تعيش لي وتأخذ بيدي.. نعم الزوجة.
قلت: ربنا يحفظها لك.
الشاشة الحرام
الأربعاء:

لست مع مناقشة الأمور الفقهية الخلافية علي شاشة التليفزيون رغم ما يحويه النقاش أحيانا من ثراء فكري وغناء عقلي طالما هو بين علماء محترمين.. ولكن الأوفق أن تتم هذه المداولات في غرفة مغلقة أو قاعات للاجتماع يحضرها المتخصصون حتي نتجنب الوقوع في التحزب لرأي علي حساب آراء أخري وفقا لهوي المستمعين لهذا النقاش. وتصور مثلا أن هيئة محكمة جنائية استمعت إلي مرافعات ممثلي الدفاع  من المحامين والاتهام من أعضاء النيابة، ثم طلبت أخذ فترة للمداولة بين أعضائها لبحث الدفوع المختلفة قبل إصدار حكمها.. فكيف لو أن هذه المداولة كانت علنية أمام الناس.. لاشك أن الأمر سيكون خطراً.. فإذا كان هذا غير مستساغ في الأمور القانونية فكيف بالقضايا الشرعية التي قد يترتب عليها ارتكاب ذنب يعاقب عليه من رب العالمين.. إذن فمن الوجاهة أن تتم دعوة العلماء من مختلف الاتجاهات ويكون مطلوبا منهم الخروج برأي أو أكثر من باب الجواز لإعلانه علي الناس مع تقديم مذكرة بالأسباب والدوافع إذا لزم الأمر.. والعلة في حجب المناقشات الفقهية خاصة حول القضايا الخلافية هو ما ظهر من تشيع لأشخاص كانت عندهم آراء شاذة وغريبة بل وصادمة تسعي للنيل من الدين ووجدوا ضالتهم في ما رقين مثلهم تحولوا إلي دعاة لهذه الأفكار.. لذا وجب التنويه..
هل للفن عقل؟
الخميس:

لا تحدثني في مصر الآن عن فن هادف ولا فنان صاحب قضية أو مهموم بشعبه إلا النزر اليسير جدا.. بصراحة لا أنا ولا أحد حولي يري فنانا يحمل آلام مجتمعه ويفكر في أوجاع الناس ويقدم ما يحملهم علي تحمل تبعات الطريق الصعب انتظاراً لغد أفضل.. أترحم علي الفن الذي جعل الشعب المصري كله جنديا في معركة البناء أيام جاهين وحليم والموجي.. وأشعر بالأسف علي أفلام جميلة قديمة تعبر عن زمن عشنا فيه مشاعر وطنية صادقة راحت واستبدلناها بأفلام اللهو والتهريج وإثارة الغرائز. حالة غياب واضحة يراها كل متابع للحالة الفنية في مصر.. وقصور شنيع عن ملاحقة الواقع المصري بكل ما يحفل به من تحديات ونحن في هذا المنعطف التاريخي الذي تمر به بلادنا.. وبدلا من أن يخرج علينا فن يساعدنا علي مواجهة التحدي خرجت أفلام الحواري والبلطجة والتفاهة لتخدير الشباب وتغييب العقول.. تدخل الفيلم وتخرج وليس في يدك منه شيء إلا غثيان.. ضيعت وقتك ومالك في مشاهدات لا طائل منها.. لا يستثني من ذلك أحد مع الأسف.. حتي كبار النجوم صاروا بلا قضية إلا حب الظهور وجمع الملايين والتربع علي عرش النجومية.. أمر مؤسف وحزين أن يكون هذا حال الفن في بلادنا في هذه المرحلة الخطيرة.. فمتي يحدث التغيير؟

أسماء المحلات
 

الجمعة:
أنظر حولك لتكتشف ظاهرة عجيبة تسللت إلينا في غفلة من الزمن وراحت تنزع هويتنا العربية بالتدريج حتي يخيل إليك وأنت تسير في شوارع القاهرة المزدحمة بالمحلات التجارية أنك تسير في لندن أو باريس أو عاصمة غير عربية والسلام.. لقد تغيرت أسماء المحلات التجارية من اللغة العربية إلي اللغة الأجنبية حتي ولو كان اسم المحل »‬زنوبة» تجدهم كتبوها بالإنجليزية.. ورغم أن هذا التغيير من وجهة نظري كمصري لا يدعوني علي الإطلاق لأن أفضل هذا المحل وأوثره عن غيره المكتوب بالحروف العربية لكن يبدو أنها صارت موضة لدي أصحاب المحلات انتقلوا إليها من باب الشياكة.. وأتذكر عندما كنت أعمل في سلطنة عُمان أن تواجدت هذه الظاهرة لبعض الوقت وانتشرت بسرعة ولكن الذي أثار دهشتي وإعجابي وقتها أن ولي الأمر وهو السلطان قابوس خوفا من تراجع الهوية العربية عن الشارع العُماني أصدر قراراً بتعريب أسماء جميع المتاجر وعدم السماح باستخدام الحروف الأجنبية في الواجهات حفاظا علي النسق العربي.. واستتبع هذا المرسوم مرسوماً آخر أوقف ظاهرة أخري انتشرت بشراسة وهي تقديم »‬الشيشة» في المقاهي العمومية. ويكفي أن أقول إن محلات كبري تحولت إلي كافيهات كبري أيضا لكي تستفيد من إقبال الشباب والرجال عليها وتدخين الشيشة بكل النكهات. المدهش بعدها أن المجتمع انصاع للتعليمات واختفت الظاهرة وأغلقت الكثير من الكافيهات أبوابها بعد نزع مصدر جاذبيتها وعاد الانضباط للشارع العماني.. أما في مصر فلا أحد يهتم بهذه الظواهر رغم خطورتها وإذا وجدت من يثير الانتباه إليها وصفوه بصفات لا تليق وكانت النتيجة هي ما نراه الآن من فوضي عارمة في الشارع المصري.. هل هناك أمل؟

Bookmark and Share

أضف تعليقك



تعليقات القراء

أرشيف عصام حشيش